الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلامعلى نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فقد قال تعالى:
( أَوَلَمْيَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأرْضَنَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ) [الرعد : 41 ]
.
قال عطاء رحمه الله تعالى:
"هوفقد فقهائها" .
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:
"وقولعطاء في تأويل الآية حسن جداً، تلقاهأهل العلم بالقبول" .
وموت العالم ثلمة في الإسلام، وهوأعظم على الأمة من فقد الطعاموالشراب، لأنَّ العلم يحتاج إليه فيكل وقت، والطعام يُحتاج إليه فياليوم مرة أو مرتين .
وموت العلماء سبب في رفع علمالشريعة، كما قال الصادق المصدوق :
((إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُالْعِلْمَ انْتِزَاعًايَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِوَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَبِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَالَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَالنَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاًفَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِعِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا )) [ رواهالبخاري في كتاب العلم ] .
وها نحن اليوم نعيش آثار هذا الحديث،فمنذ زمن والأمة يقل فيها العلماءالكبار، ولسنا ندري هل ستدرك أجيالنابركة الأخذ عن كبار العلماء، وكلهمقد بلغ من العمر ما بلغ، و (( أعمارأمتي ما بين الستين إلى السبعين )) ؟اللهم سلم لنا ديننا الذي هو عصمةأمرنا، وأجرنا في مصيبتنا، وأخْلِفْلنا خـيراً منها .

على العــلم نبكي إذ قـــد اندرس العلـــم

ولم يبــق فيـــنا منه روح ولا جســــم

ولــكن بقي رســــم من العلــــم دارس

وعـــما قليل ســوف يندرس الرســــم

فآن لعين أن تسيــــــل دموعهــــــا

وآن لقلـــبٍ أن يصدعــه الهـــــــم

فإن بفقد العلم شـــــــراً وفتنــــــةً

وتضييـــع دين أمـــره واجب حتــــم

وما سائـــر الأعمـــــال إلاَّ ضلالــــةً

إذا لم يكن للعامـــلين بهـــا علـــــم

ومــا النـــاس دون العلـــــم إلاَّ بظلـمةٍ

مــن الجــهل لا مــصباح فيـها ولا نجـم

فهــل يهـتدى إلاَّ بنجــــم سمائـــــه

إذا مـــا بـدا من أفقه ذلك النجــــــم

فهـــذا أوان القبــض للعلم فلينــــــح

عــليه الذي في الحـــب كـان لــه سهـم

 

ترجمةالعلامة سماحة الشيخ عبد العزيز بنعبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية -رحمه الله-


هوالشيخ المحدث الأثري الفقيه،النابغة، كبير المفتين، ورئيسالعلماء المتقنين، عبد العزيز بن عبدالله ابن باز، يُكنى أبا عبد الله،ولد في الرياض عاصمة المملكة العربيةالسعودية في الثاني عشر من ذي الحجةعام 1330هـ ، من أسرة في مجموعها صلاح،ونشأ منذ صباه على رسالة الإسلام،فحفظ كتاب الله تعالى، وتلقى علومهعن كبار مشايخ نجد، وفي مقدمتهم :الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخرحمه الله، والشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ قاضي الرياض، والشيخسعد بن حمد العتيق قاضي الرياض ـ العزبن عبد السلام في عصره ـ والشيخ حمدبن فارس، والشيخ سعد وقاص البخاري منعلماء مكة، أخذ عنه علم التجويد،وسماحة الشيخ الجليل محمد بن إبراهيمآل الشيخ المفتي الأسبق، لازمه عشرسنوات واستفاد منه فوائد عظيمة .
وأصيب بعمى العينين، فازداد حفظاًوورعاً وعلماً، وعوَّضه الله بذكاءفي القلب . وبارك الله في علم الشيخحتى حصَّل ووصل إلى ما وصل إليه منالحفظ والفقه، وأصبح إماماً من كبارأئمة الدنيا في هذا العصر .
توليه القضاء :
عمل سماحة الشيخ قاضياً في الخرج،فكان الأب والمعلم، قريباً من قلوبالناس، حتى أنهم بكوا عليه وأكثروامن الهلع لما انتقل منها .
ا
شتغالهبالتدريس :
رأى الشيخ رحمه الله أن القضاء قديشغله عن التدريس والعلم، فتركالقضاء وذهب إلى معهد الرياض معلماً،وفي كلية الشريعة محاضراً، فكان يلقيالدروس ارتجالاً لحافظته القوية،وكان محبباً إلى الطلاب .
إ
دارة الجامعةالإسلامية :
ثم تولى إدارة الجامعة الإسلامية فيالمدينة النبوية، فكان يحضر في إدارةالجامعة ويجتمع بالأساتذة ويوجههمالتوجيه السليم ويدعوهم إلى اللين فيالتعامل، والاهتمام بالتحصيلالعلمي، وكان يمر على الطلبة فيالفصول فيسلم عليهم ويسمع ما عندهم،وربما درَّس الشيخ بعض المحاضرات،وكان يفتح مكتبه للطلبة، وهذه ميزةيفتقدها كثير من العلماء والمسؤولينحيث إغلاق الأبواب في وجوه الطلبةوالمسلمين .
الشيخ والعلم :

يعد الشيخ من كبارالمفتين في العالم الإسلامي، فقدشارك في مؤتمرات كثيرة، وألقى منالمحاضرات ما لا يحصى، وله مؤلفاتكثيرة نافعة، فهو نحوي يجيد اللغةويمليها على طلابه، وله في الفرائضقدم، وفي الحديث محدث جهبذ مغرم بعلمالرجال، يطالع كثيراً في ( تهذيبالتهذيب ) لابن حجر، وقد قال الشيخلبعض محبيه : ربما حفظت ثمانين فيالمائة من هذا الكتاب، ( وفتح الباري )وقد قرأه مرات عديدة، وهو الذي تولىالإشراف على إخراجه وتحقيقه للناسبالاشتراك مع العالمين الفاضلين :الشيخ محب الدين الخطيب، والشيخ محمدفؤاد عبد الباقي رحمهما الله تعالى .
كرم الشيخ :
وأما كرم الشيخ رحمه الله تعالى فحدثولا حرج، فهو لا يرد طلباً، وقد ذكربعض طلبة العلم : أن أحد المجاهدينوفد على الشيخ مرة من المرات، فلم يجدالشيخ إلا غرضاً مهماً له فباعهوأعطاه قيمته في سبيل الله عز وجل .
ويتمثل كرم الشيخ في اجتماع الناسعلى سفرته، فيحضر سفرته العلماءوطلبة العلم والمفكرون والأدباءوالعامة والفقراء والمساكين وعابريالسبيل، فيرحب بالجميع، وهذا أمرمعلوم لا يحتاج إلى إثبات، لأنالكثيرين رأوا ذلك .
البرنامجاليومي :
يبدأ الشيخ نشاطه قبيل صلاة الفجر،ثم يصلي الفجر في مسجده، فإذا انتهىمن الصلاة وفرغ من أذكار الصباح،يبدأ درسه إلى طلوع الشمس، وأكثر مايدرس الشيخ في كتاب ( فتح الباري ) و (فتاوى ابن تيمية ) و ( بلوغ المرام ) و (الكتب الستة ) و ( شرح الطحاوية )وغيرها من العلوم النافعة . فإذا فرغمن الدرس صلى ركعتين وعاد إلى بيته،ثمَّ يذهب إلى مكتبه، فإذا وصل وجدالمراجعين بانتظاره فيسلم عليهمويستقبلهم ويعانق منهم القادم،ويبدأ باستعراض المعاملات، والإجابةعلى الأسئلة، وحل المشاكل وتوجيهالنصائح وإيجاد الحلول، كما يتلقىالمكالمات الهاتفية من الداخلوالخارج حيث تتصل به الهيئاتوالجماعات والمؤسسات والأفراد منأنحاء العالم، فيفتيهم ويرد عليهمالواحد تلو الآخر، وهو في ذلك لا يكلولا يمل .
ثمَّ يصلي الظهر جماعة، ويعود إلىعمله، وفي الثانية بعد الظهر يعودإلى منـزله وقد سبقه ضيوفه، فيتغدىمعهم غداءً جماعياً، ثمَّ يصليالعصر، وربما ألقى كلمة بعد الصلاةثم يعود إلى المنـزل، ثم يصلي المغربويعود إلى منـزله للقراءة والنظر فيشؤون الناس حتى وقت العشاء، ولاينتهي مجلسه من الزوار والروّاد، ولايزال بين قراءة وإملاء وحديث نافعحتى وقت متأخر، وقلَّ ما يتاح لهالإخلاد إلى النوم قبل منتصف الليل .

دعمه للجهاد فيسبيل الله :

وكان سماحة الشيخيحث على دعم الجهاد في فلسطينوأفغانستان والبوسنة والهرسكوكوسوفا، فكان قادة الجهاد يتصلون بهويطلبون منه الدعم، فيسارع في نصرتهم(1).

ما قيل في سماحةالشيخ من الشعر :
مُدح سماحة الشيخ من كبار الناسوصغارهم وشعرائهم وأدبائهموعلمائهم، منهم فضيلة الشيخ عائضالقرني حيث نظم قصيدة تقارب الخمسينبيتاً، منها :

يا شيخ يكفيك أنَّ النـــاس قـــد شـــغلوا

بالمغـــريات وأنــت الثابــت الـــوافي

أغراهم المـال والدنيـــــــــا تجاذبــــ

ـهم ما بين مـنتعل منهم ومن حــــــافي

مجــالس اللـغو منداهم وروحتهــــــــم

أكل اللــحوم كأكـــل الأقط في العـــافي

وأنـت جـالست أهــل العـلـم فـــانتظمت

لــك المــعـالي ولم تـولع بــإرجـــاف

بين الصــحيحـين تغــدو في خمــائلها كما غدا

الظــل في إشراقهــــــا الضـــــافي

يكــفي محياك أن القلــــب يعمــــــره

مـن حبــكم ولديّ أضعــاف أضعــ،ـاف

أراك كالــضوء تجـــري في محـــاجرنـــا

فلا تــراك عيون الأجلف الجــــــــاف

كالشدو أشواقي وتــــــــأسرهـــــا

بنغمة الوحي من طـه ومن قـــــــــافي

ما أنصفتــك القــوافي وهي عـــــــاجزة

وعذرها أنها في عصتـر إنصــــــــــافي

 

رحم الله شيخناووالدنا فنحن نتقرب بحبه إلى الله، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون اللهماجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيراًمنها .

  1. راجع نداءات سماحة الشيخ رحمه الله في مجلة البحوث الإسلامية ـ الرياض .


page_end.gif   3.46KB


الصفحة الرئيسية | السراج المنير | المكتبة الإسلامية | صوتيات السراج | روابط السراج | دعوتنا | تزكيات | ساهم معنا | اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم - جمعية السراج المنير الإسلامية - بيروت - لبنان ( asseraj@asseraj.net )