محاسبة النفس

للشيخ/ عبد الهادي بن حسن وهبي
أمين وقف البخاري الخيري في عكار - شمال لبنان

 

قال الله تعالى : ( يَوْمَتَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْمِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَاعَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْأَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًابَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُنَفْسَهُ)[ آل عمران : 30 ] ، وقال : (وَنَضَعُ المَوَازِينَ الْقِسْطَلِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَتُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْكَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْخَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىبِنَا حَاسِبِينَ)[الأنبياء:47] ، وقال : (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَىالْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّافِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَامَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَيُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَكَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَاوَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًاولاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) [ الكهف : 49 ] ،وقال : ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُالنَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْاأَعْمَالَهُمْ ( فَمَنْ يَعْمَلْمِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍشَرًّا يَرَه) [ الزلزلة : 6 ـ 8 ] .

فاقتضت هذه الآياتُوما أشبَهها خَطَرَ الحساب في الآخرة،وتَحَقَّقَ أربابُ البصائر أنّهملا يُنجيهم من هذه الأخطار إلا لزومُالمحاسبة لأنفسِهم وصدقُ المراقبة .فَمَنْ حاسب نفسَه في الدُّنيا ،خفَّ في القيامة حسابُه، وحَسُنَمنقلبُه ، ومَنْ أَهْمَلَ المحاسبةَدامت حسراتُه 1.
قالَ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه:
"حاسِبُوا أنْفُسَكُم قبلَ أنْتُحَاسَبُوا ، وزِنُوا أنْفُسَكُمقبلَ أَنْ تُوزَنوا ؛ فإِنَّهُ أهونُعليكُم في الحسابِ غداً أنْتُحاسِبوا أنْفُسَكُمُ اليومَ ،وتزَيَّنُوا للعَرْضِ الأكْبَرِ : (يَوْمَئِذٍتُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْخَافِيَةٌ)[ الحاقة : 18 ] " .

وقال الحسن : " لاتَلْقى المؤمِنَ إلاَّ يُحَاسِبُنفسَهُ : ماذا أرَدْتِ تَعملينَ ؟وماذا أرَدْتِ تَأْكُلينَ ؟ وماذاأرَدْتِ تَشْربِينَ ؟ والفاجِرُيَمْضي قُدُماً قُدُماً لا يُحاسِبُنفْسَهُ ".

وقالَ قَتادةُ فيقولِه تعالى : (وَكَانَ أَمْرُهُفُرُطًا)[الكهف : 28 ] : " أضاعَ نفْسَهُوغَبَنَ ، ومَعَ ذلك تراهُ حافِظاًلمالِهِ مُضَيِّعاً لدينِهِ " .

وقالَ الحسنُ:"إنَّالعبدَ لا يزالُ بخيرٍ مَا كانَ لهُواعِظٌ مِن نفسِهِ ، وكانتِالمحاسبةُ مِن همَّتِهِ" .

وقالَ ميمونُ بنُمِهرانَ : " لا يكونُ العبدُتقيّاً حتى يكونَ لنفسهِ أشدَّمحاسبةً مِن الشَّريكِ لشريكهِ . ولهذا قيلَ : النَّفْسُكالشَّريكِ الخوَّانِ ، إنْ لمتُحاسِبْهُ ؛ ذَهَبَ بمالِك " .

وقالَ ميمونُ بنُمِهرانَ أيضاً : " أَنَّ التَّقِيَّأشدُّ محاسبةً لنفسِهِ مِن سلطانٍعاصٍ ، ومِن شريكٍ شحيحٍ " .

وكتبَ عمرُ بنُالخطَّابِ إلى بعض عمَّالِه : "حاسِبْ نفسَكَ في الرَّخاءِ قبلَحسابِ الشِّدَّةِ ؛ فإِنَّ مَنْحَاسَبَ نفسَهُ في الرَّخاءِ قبلَحِسابِ الشِّدَّةِ عادَ أمرُهُ إلىالرِّضى والغِبْطَةِ ، ومَنأَلْهَتْهُ حياتُه وشَغَلَتْهُأهواؤهُ ؛ عادَ أمرُهُ إلىالنَّدامَةِ والخسارةِ " .

وقال الفُضَيل بنعِياض : المؤمنُ يحاسب نفسهويعلم أنّ له موقفاً بين يدي اللهتعالى ، والمنافق يغفل عن نفسه ،فَرَحِمَ اللهُ عبداً نظر لنفسه قبلنزول مَلَك الموتِ بِه 2

وقد مُثّلت النّفس معصاحبها بالشَّريك في المال ، فكماأنّه لا يتمّ مقصود الشركة من الربحإلا بالمشارطة على ما يفعل الشريكأوّلاً ،

ثمّ بمطالعة ما يعمل ،والإشراف عليه ومراقبته ثانياً ، ثمّبمحاسبته ثالثاً ، ثمّ يمنعه منالخيانة إن اطّلع عليه رابعاً ،فكذلك النفس : يشارطها أوّلاً على حفظالجوارح السبعة التي حفظها هو رأسالمال ، والربح بعد ذلك ، فمن ليس لهرأس مال ، فكيف يطمع في الربح ؟! وهذهالجوارح السبعة ، وهي العين ، والأذن، والفم ، والقلب ، والفرج ، واليد ،والرجل : هي مراكب العطب والنجاة ،فمنها عطب من عطب بإهمالها وعدمحفظها ، ونجا من نجا بحفظهاومراعاتها . فحفظها أساس كلّ خير ،وإهمالها أساس كل شر.

فإذا شارطها على حفظهذه الجوارح انتقل منها إلىمطالعتها،والإشراف عليهاومراقبتها، فلا يهملها ، فإنّه إنأهملها لحظة رتعت في الخيانة ولا بدّ، فإن تمادى في الإهمال تمادت فيالخيانة حتى تذهب رأس المال كلّه ،فمتى أحسّ بالنقصان انتقل إلىالمحاسبة ، فحينئذ يتبين له حقيقةالربح والخسران ، فإذا أحس بالخسرانوتيقنه استدرك منها ما يستدركهالشريك من شريكه : من الرجوع عليه بمامضى ، والقيام بالحفظ والمراقبة فيالمستقبل ، ولا مطمع له في فسخ عقدالشركة مع هذا الخائن والاستبدالبغيره ، فإنّه لا بدّ منه فليجتهد فيمراقبته ومحاسبته ، وليحذر من إهماله.

ويعينه على هذهالمراقبة والمحاسبة : معرفته أنّهكلما اجتهد فيها اليوم استراح منهاغداً إذا صار الحساب إلى غيره ،وكلّما أهملها اليوم اشتدّ عليهالحساب غداً .

ويعينه عليها أيضا :معرفته أن ربح هذه التجارة سكنىالفردوس ، والنظر إلى وجه الربسبحانه ، وخسارتها : دخول الناروالحجاب عن الرب تعالى ، فإذا تيقّنهذا هان عليه الحساب اليوم ؛ فحقّ علىالحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أنلا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييقعليها في حركاتها وسكناتها وخطواتها، فكلّ نفسٍ من أنفاس العمر جوهرةنفيسة لا خطر لها يمكن أن يشترى بهاكنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبدالآباد . فإضاعة هذه الأنفاس ، أواشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه :خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهلالنّاس وأحمقهم وأقلّهم عقلاً.وإنّما يظهرله حقيقة هذا الخسران يومالتغابن : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّنَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍمُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْسُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَاوَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) [ آل عمران : 30 ] .

ومُحاسَبَةُالنَّفْسِ نوعانِ : نوعٌ قبلَالعَمَلِ ، ونوعٌ بعدَه .

فأَمَّاالنَّوعُ الأوَّلُ : فهو أَنْيَقِفَ عندَ أَوَّلِ همِّهِوإِرادتِه ، ولا يُبادِرَ بالعمَلِحتى يتَبَيَّنَ لهُ رُجْحانُهُ علىتركِه .

قالَ الحسنُ رحمهُاللهُ : "رَحِمَ اللهُعبداً وَقَفَ عندَ همِّهِ ، فإِنْكانَ لله مَضى ، وإنْ كانَ لغيرِهتأخّر".

وشرحَ هذا بعضُهُمفقالَ : إذا تحرَّكَتِ النَّفْسُلعملٍ من الأعمالِ ، وهَمَّ بهِالعبدُ ، وَقَفَ أَوَّلاً ونَظَرَ :هل الباعث عليه إرادةُ وجه الله عزوجل وثوابِهِ أو إرادةُ الجاهِوالثّناءِ والمالِ من المخلوق ؟ فإنْكان الثاني لم يُقْدِمْ عليه ، وإنْأفضى به إلى مطلوبه ، لئلاّ تعتادَالنّفسُ الشِّرْكَ ، ويخفَّ عليهاالعملُ لغير الله ، فبقدْر مايَخِفُّ عليها ذلك يَثْقُلُ عليهاالعملُ لله تعالى ، حتىَّ يصيرَأثقلَ شيءٍ عليها.

النَّوعُالثَّاني : مُحاسَبَةُالنَّفْسِ بعدَ العَمَلِ :

وهو ثلاثةُ أَنواعٍ :

أَحَدُها :مُحَاسَبَتُها على طاعةٍ قصَّرَتْفيها مِن حَقِّ اللهِ تعالى ؛ فلمتُوقِعْها على الوجهِ الَّذي ينبغي .

وحقُّ اللهِ تعالى فيالطَّاعةِ ستَّةُ أُمورٍ ، وهي :

1-الإخلاصُ في العملِ .
2-والنَّصيحَةُ للهِ فيهِ .
3-ومُتابعَةُ الرَّسولِ فيهِ .
4-وشُهودُ مَشْهَدِ الإحسانِ فيهِ .
5-وشُهودُ مِنَّةِ اللهِ عليهِ .
6-وشُهودُ تَقصيرِهِ فيهِ بعدَ ذلككلِّهِ .

فيُحَاسِبُ نَفْسَهُ :هل وفَّى هذه المقاماتِ حقَّها ؟ وهلأتى بها في هذه الطَّاعةِ ؟

الثَّاني :أَنْ يُحاسِبَ نفسَهُ على كلِّعملٍ كانَ تَرْكُه خيراً لهُ مِنفِعْلِهِ. الثَّالثُ :أَنْ يُحاسِبَ نفسَهُ على أمْرٍمُباحٍ ، أو مُعتادٍ : لِمَ فَعَلَهُ؟ وهل أرادَ بهِ الله والدَّارَالآخِرَةَ ؟ فيكونَ رابحاً ، أوأرادَ بهِ الدُّنيا وعاجِلَها ؛فيَخْسَرَ ذلك الرِّبحَ ويفوتَهالظَّفَرُ بِهِ !

وأَضَرُّ مَا عليهِالإِهمالُ ، وتركُ المُحاسبَةِوالاسترسالُ ، وتسهيلُ الأمورِوتمشِيَتُها ، فإِنَّ هذا يَؤولُبِهِ إلى الهلاكِ ، وهذهِ حالُ أهلِالغُرورِ ؛ يُغْمِضُ عيْنَيْهِ عنِالعواقِبِ ، ويُمَشِّي الحال ،ويَتَّكِلُ على العَفْوِ ؛فيُهْمِلُ مُحاسَبَةَ نفسِهِوالنَّظَرَ في العاقبةِ ، وإذافَعَلَ ذلك سَهُلَ عليهِ مواقَعَةُالذُّنوبِ ، وأَنِسَ بها، وعَسُرَعليه فِطَامُها، ولو حَضَرَهُرُشْدُهُ لَعَلِمَ أَنَّ الحِمْيَةَأَسْهَلُ مِن الفِطامِ ، وتركِالمألوفِ والمُعتادِ .

وجِماعُ ذلك : أَنْيُحاسِبَ نفسَهُ أوَّلاً علىالفرائِضِ ، فإنْ تَذَكَّرَ فيهانَقْصاً تَدارَكَهُ ، إمَّا بقضاءٍأو إصلاحٍ .

ثمَّ يُحاسِبُها علىالمناهي ، فإنْ عَرَفَ أَنَّهُارتَكَبَ منها شيئاً تدارَكَهُبالتَّوبةِ والاستغفارِ والحسناتِالماحِيَةِ.

ثمَّ يحاسِبُ نفسَهُعلى الغَفْلَةِ ، فإنْ كان قد غَفِلَعمَّا خُلِقَ لَهُ ؛ تدارَكَهُبالذِّكْرِ والإقبالِ على اللهتعالى .

ثمَّ يُحَاسِبُها بماتكلَّمَ بهِ ، أو مَشَتْ إليهِرجلاهُ ، أو بَطَشَتْ يداهُ ، أوسمعَتْهُ أُذناهُ : ماذا أرادَتْبهذا ؟ ولمَنْ فَعَلَتْهُ ؟ وعلىأيِّ وجهٍ فَعَلَتْهُ ؟ ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة منهديوانان : لم ؟ وكيف ؟ أي : لمَ فعلتَ ؟وكيفَ فَعلتَ ؟

فالأوَّلُ :سؤالٌ عن علَّة الفعلِ ، وباعثِهِ ،وداعيهِ : هل هو حظُّ عاجلٌ مِنحُظوظِ العاملِ ، وغرضٌ مِن أغراضِالدُّنيا في محبَّةِ المدحِ مِنالناس ، أو خوفِ ذمِّهم ، أو استجلابِمحبوبٍ عاجلٍ ، أو دفعِ مكروهٍ عاجلٍ؟ أم الباعثُ على الفعلِ القيامُبحقِّ العبوديَّةِ ، وطلبُالتودُّدِ والتقرُّبِ إلى الرَّبِّسبحانَهُ وتعالى ، وابتغاءُالوسيلةِ إليهِ ؟

ومحلُّ هذا السؤالِأنَّهُ : هل كان عليكَ أَنْ تفعَلَهذا الفعلَ لمولاكَ ، أم فعَلْتَهُلحظِّكَ وهواكَ؟

والثاني :سؤالٌ عن متابعةِ الرَّسولِ عليهِالصلاةُ والسلامُ في ذلك التعبُّدِ ؛أي : هل كان ذلك العمل ممّاشَرَعْتُهُ لك على لسانِ رسولي ؟ أمكانَ عملاً لم أشْرَعْهُ ولمأَرْضَهُ ؟
فالأوَّلُ: سؤالٌ عن الإخلاصِ ،والثاني : عن المُتابَعَةِ ؛ فإِنَّاللهَ لا يقبلُ عملاً إلاَّ بِهِما.
فطريقُ التخلُّصِ مِن السؤالِالأوَّلِ بتجريدِ الإخلاصِ .

وطريقُ التخلُّصِ مِنالسؤالِ الثَّاني بتحقيقِالمُتابعةِ ، وسلامةِ القلبِ مِنإرادَةٍ تُعارِضُ الإخلاصَ ، وهوىًيُعارِضُ الاتِّباعَ .

وقال تعالى : (فَوَرَبِّكَلَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَعَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [ الحجر : 92 - 93 ] .
وقال تعالى : (لِيَسْأَلَالصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) [الأحزاب : 8 ].

فإذا سُئِلَالصَّادقون وحُوسِبُوا علىصِدْقِهِمْ فما الظَّنُبالكاذِبِينَ ؟

وقال تعالى : (ثُمَّلَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْالنَّعِيمِ) [ التكاثر : 8 ] 3.

والنعيم المسؤول عنهنوعان : نوع أخذ من حله وصرف في حقه ،فيسأل عن شكره . ونوع أخذ بغير حقهوصرف في غير حقه ، فيسأل عن مستخرجهومصرفه.

فإذا كانَ العبدُمسؤولاً ومُحاسَباً على كلِّ شيءٍ ،حتى عَلى سَمْعِهِ وبَصَرِهِوقَلْبِهِ ، كما قال تعالى : (إنَّالسَّمْعَ وَالْبَصَرَوَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَكَانَ عَنْهُ مَسْئُولا ) [ الإسراء : 36 ] ؛فهُو حقيقٌ أنْ يُحاسِبَ نفسَهُ قبلَأنْ يُنَاقَشَ الحسابَ 4 .

وقد دلَّ على وُجوبِمحاسبة النَّفسِ قولُه تعالى: (يَاأَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَوَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ) [ الحشر : 18 ] ،فأمر سبحانه العبدَ أنْ ينظر ماقدَّمَ لِغد ، وذلك يتضمَّن محاسبةنفسه على ذلك ، والنظر : هل يصلُح ماقدّمه أن يلقى الله به أو لا يصلح ؟ .

والمقصودُ مِن هذاالنظرِ : ما يُوجبه ويقتضيه ، من كمالالاستعداد ليوم المعاد ، وتقديم مايُنجيه من عذاب الله ، ويُبيض وجههعند الله.

وكلّ ذلكَ إنّما يمكنُبصبرِ ساعةٍ واحدةٍ . فانّ الساعاتِثلاث 5 : ساعةٌ مضتْ لا تعبفيها على العبد كيفما انقضت في مشقةأو رفاهية. وساعة مستقبلة لم تأت بعدلا يدري العبد أيعيش إليها أم لا ولايدري ما يقضي الله فيها ؟ وساعة راهنةينبغي أن يجاهد فيها نفسه ويراقبفيها ربه .

فإن لم تأته الساعةالثانية لم يتحسر على فوات هذهالساعة ، وإن أتته الساعة الثانيةاستوفى حقه منها كما استوفى منالأولى . ولا يطول أمله خمسين سنةفيطول عليه العزم على المراقبة فيها؛ بل يكون ابن وقته كأنه في آخرأنفاسه فلعله آخر أنفاسه وهو لا يدري. وإذا أمكن أن يكون آخر أنفاسهفينبغي أن يكون على وجه لا يكره أنيدركه الموت وهو على تلك الحال .

وفي محاسبةِالنَّفْسِ عِدَّةُ مصالحَ:

مِنْهَا: الاطِّلاعُعَلَى عُيوبِها ونقائصها ،فيمكِنُهُ السَّعي في إصلاحها ، ومَنلَمْ يطَّلعْ عَلَى عَيْبِ نفسِهِ،لَمْ يُمْكِنْهُ إِزالَتُه، فَإِذَااطَّلَعَ عَلَىعَيْبِها؛ مَقَتَهافِي ذاتِ اللهِ تَعَالَى.

قال أبوالدرداء رضيالله عنه: " لا يَفْقَهُالرَّجُلُ كلَّ الفِقْهِ حَتَّىيَمْقُتَ النَّاسَ في جَنْبِ اللهِ ،ثم يَرْجِعُ إلى نفسِهِ فيكونَ لهاأشدَّ مَقْتاً ".

وقالَ مُطَرِّفُ بنُعبدِ اللهِ : " لولا ما أَعْلَممِن نَفْسي لَقَلَيْتُ النَّاسَ " . وقال أَيُّوبُالسَّخْتِيانِيُّ : " إِذا ذُكِرَالصَّالِحونَ كنتُ عنهُم بمَعْزِلٍ".

ولما احْتُضِرَسفيانُ الثَّوريُّ ؛ دَخَل عليهِ أبوالأشهبِ وحمَّادُ بنُ سَلَمَةَ ،فقالَ لهُ حمَّادٌ : "يا أبا عبدِاللهِ! أَليس قد أمِنْتَ ممَّا كنتَتخافُه ؟ وتقْدَمُ على مَن ترجوهُ ،وهو أَرْحَمُ الرَّاحمينَ . فقال : ياأَبا سلمة ! أَتَطْمَعُ لِمِثْلِيأَنْ ينجُو مِن النَّارِ؟ قَالَ : إيْواللهِ ؛ إنِّي لأرجو لكَ ذلك ".

وقَالَ يُونُسُ بنُعُبيدٍ: " إِنِّي لأجِدُمئةَ خَصْلَةٍ مِنْ خِصالِ الخير ،ما أَعْلَمُ أَنَّ في نفسي منهاواحدةً".

وقال محمَّد بنُ واسعٍ:"لوكانَ للذُّنوبِ ريحٌ ؛ ما قَدِرَأحدٌ يجلِسُ إليَّ".

وذُكِرَ داودُالطَّائِي عندَ بعض الأمراءِ ،فأَثْنَوا عليهِ ، فَقَالَ : " لويَعْلَمُ النَّاسُ بعضَ ما نحنُ فيهِ، ما ذلَّ لنا لسانٌ بذِكْرِ خيرٍأبداً ".

وقالَ أَبو حفصٍ: (مَنْلَمْ يَتَّهِمْ نَفْسَهُ عَلَىدَوامِ الأوقاتِ، ولم يُخالِفْهافِي جميعِ الأحوالِ، ولم يَجُرَّهاإِلَى مكروهِها فِي سائِرأَوقاتِه؛كَانَ مغروراً،ومَننَظَرَ إِلَيْهَا باستحسانِ شيءٍمِنْهَا؛ فَقَدْ أَهْلَكَها).

فالنَّفْسُ داعيةٌإِلَى المَهالِكِ، مُعينَةٌللأعداءِ، طامِحَةٌ إِلَى كلِّقبيحٍ، مُتَّبِعَةٌ لكُلِّ سوءٍ،فَهِيَ تَجْرِي بطَبْعها فِي ميدانِالمُخالَفَةِ.

فالنِّعْمَةُ الَّتِيلاَ خَطَر لَهَا: الخروجُ مِنْهَا،والتَّخَلُّصُ مِن رِقِّها،فإِنَّها أَعظمُ حجابٍ بينَ العبدِوبينَ اللهِ تعالى، وأَعرَفُالنَّاسِ بِهَا أَشدُّهُم إِزراءًعَلَيهَا، ومَقْتاً لَهَا.

ومَقْتُ النَّفسِ فِيذاتِ اللهِ مِن صفاتِالصِّدِّيقينَ، ويدنو العبدُ بِهِمِن اللهِ تَعَالَى فِي لحظةٍ واحدةٍأَضعافَ أَضعافِ مَا يَدنو بالعملِ.

وأيضاً : فإنّ زكاتهاوطهارتها موقوفٌ على محاسبتها ، فلاتزكو ولا تَطْهُرُ ولا تَصْلُحُألبتَّة إلا بمحاسبتها .

ومِن فوائِدِمحاسبةِ النَّفْسِ: أَنَّهُيعرِفُ بذلك حقَّ اللهِ تعالى، ومَنلَمْ يَعْرِفْ حقَّ اللهِ تَعَالَىعَلَيهِ؛ فإِنَّ عبادَتَهُ لاَتكادُ تُجْدِي عليهِ، وهي قليلةُالمنفعَةِ جدّاً.

فمِنْ أَنْفَعِ مَاللقلبِ النَّظَرُ فِي حقِّ اللهِعَلَى العبادِ؛ فإنَّ ذَلِكَيورِثُهُ مَقْتَ نفسِه، والإزراءَعَلَيْهَا، ويُخلِّصُه مِن العُجْبِورُؤيَةِ العملِ، ويفتَحُ لَهُ بابَالخضوعِ والذُّلِّ والانكسارِ بينَيدي ربِّهِ، واليأْسِ مِن نفسِهِ،وأَنَّ النَّجاةَ لاَ تحصُلُ لَهُإِلاَّ بعفوِ اللهِ، ومغفرَتِهِورحمتِه، فإِنَّ مِن حقِّهِ أَنْيُطاعَ وَلاَ يُعْصَى، وأَنْيُذْكَرَ فلا يُنْسَى، وَأَنْيُشْكَرَ فلا يُكْفَرَ.

فَمَنْ نَظَرَ فِيهَذَا الحقِّ الَّذِي لربِّهِعَلِمَ علمَ اليقينِ أَنَّهُ غيرُمؤدٍّ لَهُ كَمَا ينبغي، وأَنَّهُلاَ يسعهُ إِلاَّ العفوُ والمغفرةُ،وأَنَّهُ إِنْ أُحيلَ عَلَى عملِهِهَلَكَ.

فهذا محلُّ نظرِ أهلِالمعرفةِ باللهِ تَعَالَىوبنفوسِهم، وهذا الَّذِيأَيْأَسَهُم مِن أَنْفُسِهم، وعلَّقرجاءَهُم كلَّهُ بعفوِ اللهِورحمتِه.

وإِذا تأَمَّلْتَحالَ أَكثرِ النَّاسِ؛ وَجَدْتَهُمبضدِّ ذَلِكَ، ينظُرونَ فِي حقِّهِمعَلَى اللهِ، وَلاَ ينظُرونَ فِيحَقِّ اللهِ عليهِم، ومِن هاهناانْقَطَعوا عن اللهِ، وحُجِبَتْقلوبُهُم عن معرفتِه ومحبَّتِهوالشَّوقِ إِلَى لقائِهِوالتَّنَعُّمِ بِذِكْرِهِ، وهذاغايةُ جهلِ الإنسانِ بربِّهِوبنفسِهِ.

فمحاسَبَةُ النَّفْسهِيَ نظرُ العَبْدِ فِي حقِّ اللهِعَلَيهِ أَوَّلاً.

ثُمَّ نَظَرَهُ: هَلْقامَ بِهِ كَمَا يَنبغي ثانِياً.

وأَفْضَلُ الفكرِالفِكْرُ فِي ذَلِكَ، فإِنَّهُيُسَيِّرُ القلبَ إِلَى اللهِويَطْرَحُهُ بينَ يديهِ ذَليلاً،خاضِعاً مُنْكَسراً كَسْراً فِيهِجَبْرُه، ومفتقراً فقراً فِيهِغِناهُ، وذليلاً ذُلاًّ فِيهِعِزُّهُ، وَلَوْ عَمِلَ مِنالأعمالِ مَا عساهُ أَنْ يعْمَلَ؛فإِنَّهُ إِذَا فاته هَذَا؛ فالذيفاتَهُ مِن البرِّ أفضلُ مِن الَّذِيأتى بِهِ6 .

وأخيراً فينبغي علىالواحد منا أنْ يجلس "عندما يريدالنوم لله ساعةً يحاسب نفسه فيها علىما خسره وربحه في يومه ، ثمّ يجدد لهتوبةً نصوحاً بينه وبين الله ، فينامعلى تلك التوبة ويعزم على أن لا يعاودالذنب إذا استيقظ ، ويفعل هذا كل ليلة، فإن مات من ليلته مات على توبة وإناستيقظ استيقظ مستقبلا للعملمسروراً بتأخير أجله ، حتى يستقبلربه ويستدرك ما فاته وليس للعبد أنفعمن هذه النومة ، ولا سيما إذا عقب ذلكبذكر الله واستعمال السنن التي وردتعن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندالنوم حتى يغلبه النوم ، فمن أرادالله به خيراً وفقه لذلك ، ولا قوةإلا بالله" 7.

 

1 مختصر منهاجالقاصدين (ص466 ـ 467) .
2 تاريخ دمشق ( 48 / 424 ) .
3 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قالرسول الله صلى اله عليه وسلم :
(( إن أولما يسأل عنه يوم القيامة ـ يعني العبدـ من النعيم أن يقال له : ألم نُصحّ لكجسمك ، ونرويك من الماء البارد )) أخرجه الترمذي (3358)وابن حبان (2582) والحاكم ( 4 / 138 ) وصححهووافقه الذهبي .
4 روى البخاري ( 1 / 176 ) ، ومسلم ( 2876 ) ؛عن ابن أبي ملكية أنه قال : إن عائشةكانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعتفيه حتى تعرفه ، وإن النبي صلى الهعليه وسلم قال : (( من نوقش الحساب عذب)) . فقالتأليس يقول الله : (فَأَمَّا مَنْأُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ *فَسَوْفَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا *وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِمَسْرُورًا ) [ الإنشقاق : 7 - 9 ] ؟فقال : (( إنما ذلك العرض ،وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك )) .
5 قال ابن الجوزي رحمه الله في "التبصرة" (2/102) : " هل العمر إلاثلاثة أيام : يوم انقضى بما فيه ، ذهبتلذته وبقيت تبعته ، ويوم منتظر ليسمنه إلا الأمل ، ويوم أنت فيه قد صاحبك مؤذنا بالرحيل ، فاصبر فيه علىالهوى ، فإن الصبر إذا وصل إلىالمحبوب سهل " .
6 إغاثة اللهفان ( 1 / 74 ـ 89 ) بحذف يسير .
7 الروح (107)

page_end.gif   3.46KB

الصفحة الرئيسية | السراج المنير | المكتبة الإسلامية | صوتيات السراج | روابط السراج | دعوتنا | تزكيات | ساهم معنا | اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم - جمعية السراج المنير الإسلامية - بيروت - لبنان ( asseraj@asseraj.net )