
للشيخ / عبد الهادي بن حسن وهبي |
| المقدمة | أسرار الصلاة | أَسْرَارُ الفَاتِحَة |
| التَشَهُّدُ | الصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ وَآَلِه | كَوْنُ السَّلاَم فِي خَاتِمَةِ الصَّلاَةِ |
| من كنوز السنة | الخاتمة | الحواشي |

إنَّ الحمد لله نحمدهونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله منشرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدهالله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هاديله، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحدهلا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبدهورسوله.
أما بعد : فإنّ الله تعالى قد عظَّمخطرَ الصلاةِ في القرآن ، وعظَّمأمرها وشرَّفها ، وشرَّف أهلها ،وخصَّها بالذِّكر من بين الطاعاتكلِّها في مواضع من القرآنِ كثيرة ،وأوصى بها خاصَّة .
والصَّلاة : آخر ما أوصى به النبي
إنّ الصَّلاةَ صلةٌ ولقاءٌ بين العبدوالرب . صلةٌ يستمد منها القلب قوةً ،وتحسُّ فيها الروح صلةً ، وتجد فيهاالنفس زاداً أنفس من أعراض الدنيا .فهي المعين الذي لا ينضب ، والزادالذي لا ينفد . المعين الذي يجددالطاقة ، والزاد الذي يزود القلب ،ومفتاح الكنز الذي يغني ويقني ويفيض، والروح والنّدى والظلال في الهاجرة.
ولقد " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
وإنَّ المقصودَ الأعْظمَ منالصَّلاة وروحها الخشوعُ ، وهو :حضورُ القلبِ فيها بين يدي اللهتعالى محبَّةً له وإجْلالاً وخوفاًمنْ عقابهِ ، ورغبةً في ثوابهِ ،مسْتحْضراً لقرْبهِ ، فيسكن لذلكقلبه ، وتطْمئنُ نفسهُ ، وتسْكنُحركاته ، متأدباً بين يديربّه،مستحْضراً جميعَ ما يقولهُويفْعَلُهُ في صلاتِهِ ، منْ أولهاإلى آخرها ، فتزولُ بذلك الوساوسوالأفْكار .
ولمَّا كنَّا في غفلةٍ عنْ هذاالأمْرِ العظيمِ ، جمعتُ هذه القطوفالدانية تذْكيراً بالخشوع وحثاً علىطلبه والقيام بحقّهِ ، راجياً منالله تعالى أنْ ينْفعني بها أولاً ،وأنْ ينفعَ بها منْ يقرأها منالمسْلمين.
أسأل الله الحيَّ القيُّومَ ذاالجلالِ والإكْرام أنْ يتقبلهابقبولٍ حسنٍ ، وأنْ يُنْبِتَهَانباتاً حسناً . إنّه سميعٌ مجيبٌ .
الراجي عفو ربه
عبد الهادي بن حسن وهبي
| أسرار الصلاة |
قال تعالى:
أمرنا الله تعالى بإقامةِ الصَّلاةِ، وهو الإتيانُ بها قائمةً تامَّةَالقيامِ والرُّكوع والسُّجودوالأذكار ، وقدْ علّق الله سبحانهالفَلاحَ بخشوع المصَلِّي في صلاته ،فَمَنْ فاته خشوعُ الصَّلاةِ ، لميكنْ من أهل الفلاح ، ويستحيلُ حصولُالخُشوعِ مع العَجَلَةِ والنَّقرِقطعاً ؛ بلْ لا يَحصلُ الخشوعُ قطُّإلاَّ مع الطمأنينة ، وكلّما زادطمأنينةً ازداد خشوعاً ، وكلّما قلَّخشوعُهُ اشتدَّتْ عجلتُهُ حَتىتصيرَ حركةُ يَدَيْهِ بمنْزِلَةِالعَبَثِ الذي لا يصحبُهُ خشوعٌ ؛ولا إقبالٌ على العبودية ، ولامعرفةُ حقيقة العبودية ، واللهسبحانه قد قال : (وَالْمُقِيمِينَالصَّلاَةَ)[ النساء : 162 ] وقالإبراهيم عليه السلام :
فالمصلُّونَ في النَّاس قليلٌ ،ومقيم الصَّلاةِ منهم أقلُّ مِنَالقليل ، كما قال عمرُ :
وليس مَنْ كانَتِ الصَّلاةُ رَبيعاًلقَلْبِهِ ، وحياةً له وراحةً ،وقُرّةً لعَيْنِهِ ، ولذةً لنفسهِ ،وراحةً لجوارحه، وجلاءً لحُزْنِهِ ،وذَهاباً لهمِّه وغَمّه ، ومفْزَعاًإليه في نوائبه ونوازِلِهِ ؛ كمَنْهي سجنٌ لقلبه ، وقَيْدٌ لجوارحِهِ ،وتكليفٌ له ، وثقْلٌ عَليْهِ ؛ فهيكَبِيرَةٌ على هذا ، وقرَّةُ عينوراحَةٌ لذلك .
قَالَ الله تعالى : ( وَاسْتَعِينُوابِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِوَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَىالْخَاشِعِينَ * الَّذِينَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُورَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِرَاجِعُونَ) [ البقرة : 45 ـ 46 ]فإنَّما كبرَتْ على غَيْرِ هؤلاء ،لخلوّ قلوبِهِم من محبَّةِ اللهِتعالى ، وتكبيرِهِ ، وتعْظيمِهِ ،والخشوع له ، وقلَّةِ رغبَتِهِم فيه .فإنّ حُضورَ العَبْدِ في الصّلاةِ ،وخشوعَهُ فيها ، وتكميلَهُ لها ،واستفراغَهُ وسْعه في إقامَتِهاوإتمامها ، على قَدْرِ رغْبتِهِ فيالله .
قال الإمام أحمد رحمه الله :
وليس حظُّ القلْبِالعامِرِ بمحبَّةِ الله ،وخشْيَتِهِ ، والرغبَةِ فيه ،وإجلالِهِ وتعظيمِهِ من الصَّلاة ،كحَظِّ القلبِ الخالي الخراب من ذلك، فإذَا وَقَفَ الإثنان بين يَدَيالله في الصَّلاة ؛ وقَفَ هذا بقَلبٍمُخْبِتٍ خاشِعٍ له ، قريبٍ منْهُ ،سليمٍ من معارضات السُّوء ، قدامتلأتْ أرجَاؤه بالهَيْبَةِ ،وسَطَعَ فيه نُورُ الإيمان ، وكَشَفَعنْهُ حجاب النفس ودُخان الشَّهوات ،فيَرْتَعُ في رياضِ معاني القرآن ،وخالَطَ قلْبُهُ بشَاشَةَ الإيمانِبحقائِق الأسْماء والصِّفات ،وعلوِّها وجمالِها ، وكمالِهاالأعْظم ، وتفرُّدِ الربِّ سبحانهبنعوتِ جلالِهِ ، وصفاتِ كمالِهِ ؛فاجْتَمَعَ همُّهُ على الله ،وقرَّتْ عينُهُ بِهِ ، وأحسَّبقُرْبِهِ منَ اللهِ قُرْباً لانظيرَ له ؛ فَفَرَّغَ قَلْبَهُ له ،وأَقْبَلَ عَلَيْهِ بكُلِّيَّتِهِوهذا الإقبالُ منه بين إقبالَيْن منرَبّهِ ، فإنَّهُ سُبْحَانَهُأقْبَلَ عليه أوَّلاً ، فانْجَذَبَقَلْبُهُ إليه بإقْبالِهِ ، فلمَّاأقْبَلَ على رَبِّهِ ، حظي منْهُبإقبالٍ آخَرَ أتمّ من الأَوَّل.
وهَهُنا عجيبةٌ من عَجَائِب الأسماءوالصِّفات تحصلُ لِمَنْ تفقَّهَقلبُهُ في معاني القرآنِ ، وخالَطَبشاشَةَ الإيمانِ بها قلبه ،بحيثُيرى لكلِّ اسمٍ وصِفَةٍ موضِعاً منصلاته ، ومحلاًّ منها .
فإنّه إذا انْتَصَبَ قائِماً بينيديّ الربِّ تبارك وتعالى ، شاهدَبقَلْبِه قيُّوميَّتَهُ . فيقومبقلبه الوقوفُ بين يدي عظيمٍ جليلٍكبيرٍ ، أكبرُ منْ كلِّ شيء ، وأجلّمن كلّ شيء ، وأعظمُ منْ كلِّ شيء ،تلاشتْ في كبريائه السماواتُ وماأظلّتْ ، والأرضُ وما أقلّت ،والعوالمُ كلُّها ؛ عَنَتْ لهالوجوهُ ، وخضعتْ له الرقابُ ،وذلّتْ له الجبابرةُ .
وَهَذَا المَشهَدُ إنَّمَا يَنشَأُمِن كَمَالِ الإيمَانِ بِاللهِوَأَسمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ، حَتَّىكَأَنَّهُ يَرَى الله سُبْحاَنَهُفَوقَ سَمَوَاتِهِ 3، مُستَوِيًا عَلَىعَرْشِهِ ، يَتَكَلَّمُ بِأَمْرِهِوَنَهيِهِ ، وَيُدَبِّرُ أَمْرَالخَلِيقَةِ ، فَيَنْزِلُ الأَمْرُمِنْ عِنْدِهِ وَيَصْعَدُ إلَيهِ ،وَتُعْرَضُ أَعْمَالُ العِبَادِوَأَرْوَاحُهُم عِنْدَالمُوَافَاةِ عَلَيهِ . فَيَشهَدُذَلِكَ كُلَّهُ بِقَلبِهِ ،وَيَشْهَدُ أَسمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ، وَيَشهَدُ قَيُّومًا ، حَيًّا ،سَمِيعاً ، بَصِيراً ، عَزِيزاً ،حَكِيماً ، آمِراً ، نَاِهِيًا ،يُحِبُّ وَيُبغِضُ ، وَيَرضَىوَيَغضَبُ ، وَيَفعَلُ مَا يَشَاءُ ،وَيَحكُمُ مَا يُرِيدُ وَهُوَ فَوقَعَرشِهِ لا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنأَعمَالِ العِبَادِ ولا أَقوَالِهِموَلا بَوَاطِنِهِم ، بَلْ يَعلَمُخَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفيالصُّدُورُ .
وَمَشهَدُ الإحسَانِ أَصلُ أَعمَالِالقُلُوبِ كُلِّهَا ، فَإنَّهُيُوجِبُ الحَيَاءَ ، وَالإجْلالَ ،وَالتَّعْظيِمَ ، وَالخَشْيَةَ ،وَالمَحَبَّةَ ، وَالإنَابَةَ ، وَالتَّوَكُّلَ ، وَالخُضُوعَ للهِسُبْحَانَهُ ، وَالذُّلَ لَهُ ؛وَيَقطَعُ الوَسَاوِسَ وَحَدِيثَالنَّفْسِ ، وَيَجمَعُ القَلبَوَالهَمَّ عَلَى اللهِ .
فَحَظُّ العَبدِ مِن القُربِ مِناللهِ عَلَى قَدرِ حَظِّهِ مِنمَقَامِ الإحسَانِ ، وَبِحَسَبِهِتَتَفَاوَتُ الصَّلاةُ ، حَتَّىيَكُونَ بَينَ صَلاةِ الرَّجُلَينِمِن الفَضْلِ كَمَا بَينَالسَّمَاءِ وَالأَرضِ ،وَقِيَامُهُمَا وَرُكُوعُهُمَاوسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ .فسبحان منفاضل بين النفوس وفاوت بينها هذاالتفاوت العظيم .
عن عمار بن ياسر قال : سمعت رسول الله
وإذا قالَ: الله أكبر ، شاهَدَكبرياءَهُ وعظمتهُ ، واستشعرَ بقلبه: أنَّ الله أكبرُ منْ كلِّ ما يخطرُبالبال . وقبيحٌ بالعبدِ أنْ يقولَبلسانهِ : ( اللهُ أكبرُ ) وقد امتلأَقلبُه بغير الله فهو قبلة قلبه فيالصلاة ، ولعله لا يحضر بين يدي ربّهفي شيء منها . فلو قضى حقَّ ( اللهُأكبرُ ) ، لدخل وانصرف بأنواعالتُّحَف والخيرات .
وإذا قالَ : " سبحانك اللهّمبِحَمْدِكَ ، وتبارَك اسْمُكَ ،وتعالى جدّك ، ولا إله غيرُك "
"وتعالى جدّه " أي : ارتفعت عظمته ،وجلّت فوق كلِّ عظمةٍ ، وعلا شأْنهعلى كلّ شأن ، وقهر سلطانُه على كلّسلطان ، فتعالى جدّه أن يكون معهشريكُ في ملكه وربوبيته ، أو فيإلهيته ، أو في أفعاله ، أو في صفاتهكما قال مؤمنو الجن :( وَأَنَّهُتَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَااتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا )
فإذا شرعَ في القراءةِ قدّم أمامَهاالاستعاذةَ بالله من الشيطانِ ،فإنَّهُ أحرصُ ما يكونُ على العبدِفي مثلِ هذا المقامِ الذي هو أشرفُمقاماته وأنفعها له في دنياه وآخرته، فهو أحرصُ شيء على صرفهِ عنهواقتطاعِهِ دونه بالبدن والقلب ، فإنعجز عن اقتطاعه وتعطيله عنه بالبدناقتطع قلبَه وعطله عن القيام بين يديالرَّبّ تعالى ، فأُمِرَ العبدُبالاستعاذةِ بالله منه ليسْلَمَ لهمقامه بين يدي ربّه ، وليحيى قلبُهويستنير بما يتدبره ويتفهمه من كلامسيده الذي هو سبب حياته ونعيمهوفلاحه ، فالشيطان أحرصُ على اقتطاعقلبِه عن مقصودِ التلاوة .
ولمّا علمَ سبحانه جِدَّ العدوِّوتفرُّغَه للعبد ، وعجْزَ العبدِ عنه، أمره بأن يستعيذَ به سبحانهويلتجىءَ إليه في صرفه عنه ، فيكفىبالاستعاذة مؤنةَ محاربته ومقاومته، فكأنه قيل له : لا طاقةَ لكَ بهذاالعدو فاستعذ بي واستجر بي أكْفِكَهُ، وأمنعك منه .
فإذا استعاذَ بالله منَ الشَّيْطانِبَعُدَ منهُ ، فأفضى القلب إلى معانيالقرآن ، ووقع في رياضه المونِقَةِ ،وشاهد عجائبه التي تُبْهِرُ العقول ،واستخرج من كنوزِهِ وذخائرِهِ مالاعين رأت ، ولا أذن سمعت .
| أَسْرَارُالفَاتِحَة |
فإذاقال : (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [ الفاتحة : 2 ] وقفهنيهة يسيرة ، ينتظر جواب ربّه لهبقوله : "حَمِدَنِي عبدي" فإذاقال : (الرَّحْمَنِالرَّحِيمِ) [ الفاتحة : 3 ] انتظرالجواب بقوله : " أثنى عليَّ عبدي" فإذاقال : (مَالِكِ يَوْمِالدِّينِ)[ الفاتحة : 4] انتظر جوابه :
وشاهد من ذكر اسمه (رَبِّالْعَالَمِينَ) [ الفاتحة : 2 ] قيوماًقام بنفسه ، وقام به كلّ شيء ، فهوقائم على كلِّ نفس بخيرها وشرها ؛ قداستوى على عرشه ، وتفرد بتدبير ملكه ،فالتدبير كلّه بيديه ، ومصير الأموركلّها إليه ، فمراسيم التدبيراتنازلة من عنده على أيدي ملائكتهبالعَطاءِ والمَنْعِ ، والخَفْضِوالرَّفْعِ ، والإحياءِ والإماتَةِ، والتَّوبةِ والعَزْلِ ، والقَبْضِوالبسْطِ ، وكَشْفِ الكروب ،وإغاثَةِ الملْهُوفين ، وإجابَةِالمضْطَرِّين (يَسْأَلُهُ مَنْ فِيالسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّيَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [ الرحمن : 29 ] لامانِعَ لما أعطى ، ولا مُعْطِيَ لمامَنَعَ ، ولا مُعَقِّبَ لحكْمِهِ ،ولا رادّلأمرِهِ ، ولا مبدِّلَلكلماتِهِ ، تعْرُجُ الملائكةُوالروحُ إلَيْهِ ، وتعرضُ الأعمالُأوّلَ النهار وآخره عليه ، فيقدِّرُالمقادير ، ويوقِّت المواقيت ، ثميسوقُ المقادِير إلى مَواقيِتِها ،قائماً بتدبِير ذلك كلِّه وحفْظِهِومصالِحِهِ .
ثم يشهدُ عنْدَ ذِكْرِ اسم
فتأمَّل ما في أمْرِهِ ونهْيِهِووصاياه ومواعِظه من الرحمةالبالِغَة ، والنِّعمة السَّابغة ،وما في حشوِها من الرَّحمةوالنِّعمَةِ ؛ فالرحمةُ هيالسَّبَبُ المتَّصِلُ منه بعبادِهِ، كما أنَّ العبودِيَّة هي السببالمتَّصِل منهم به ، فمنْهُم إليهالعبودية ، ومنْهُ إليهم الرَّحمة .ومن أخصِّ مشاهِدِ هذا الاسم ، شهودُالمصلِّي نصيبَهُ من الرحمة الذيأقامَه بها بَيْنَ يدي ربِّهوأهَّلَهُ لعبودِيّتِهِ ومناجاتِهِ، وأعطاه ومنعَ غَيْرَهُ ، وأقبلَبقلْبِهِ وأعْرَضَ بقَلْبِ غيرهِ ،وذلك من رَحْمَتِهِ به .
فإذا قال : (مَالِكِ يَوْمِالدِّينِ)[ الفاتحة : 4 ] فهنا شَهِدَ المجدَالذي لا يليقُ بسوى المَلِكِ الحقِّالمُبين ، فيشْهَدُ مَلِكاً قاهراً ،قد دانَتْ له الخليقة ، وعَنتْ لهالوجوهُ ، وذَلَّتْ لعظَمَتِهِالجبابرة ، وخَضَع لعزَّتِهِ كلُّعزيز ، فيشْهَدُ بقَلْبِهِ مَلِكَاًعلى عَرْشِ السَّماء مُهَيْمِناً ،لعزَّتِه تعنو الوجوه وتَسْجُدُ ،حيّاً ، قَيّوماً سَمِيعاً بصيراًمدبِّراً قادِراً مُتَكَلِّماًآمِراً ناهِياً ، مسْتَوِياً علىسَرِيرِ مَمْلَكَتِهِ ، يرسلُ إلىأقاصِي مَمْلكَتِهِ بأوامِرِهِ ،فيرضى على من يستحق لرِّضَا ،ويثيبُهُ ويكْرِمُهُ ويُدْنِيه ،ويغضبُ على مَنْ يستحقّ الغَضَبَ ،ويعاقِبُهُ ويُهِينُهُ ويقْصِيه ؛فيعذِّبُ من يشاءُ ، ويَرحَمُ منيشاءُ ، ويُعْطِي من يَشاءُ ،ويقرِّبُ من يشاء ، ويُقْصِي منيشاءُ ، لَهُ دارُ عَذاب ، وهيالناَّر ؛ وله دارُ سعادةٍ عظيمةٍ ،وهي الجنة ؛ فيشهدُ المصلِّي مجْدَالرَّبِّ تعالى في قولِهِ :
فإذاقَالَ : (إِيَّاكَ نَعْبُدُوَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [ الفاتحة : 5 ] انتظرجواب ربه له " هذا بيني وبينعبدي ولعبدي ما سأل " ، وتأمَّل عبوديةهاتين الكلمتين : ففيها سِرُّالخَلْقِ والأمْر ، والدُّنياوالآخرة ، وهي متضمِّنةٌ لأجلِّالغاياتِ وأفْضَلِ الوسائل ؛فأجَلُّ الغاَياتِ عبوديتُهُ ،وأفْضَلُ الوسائِل إعانَتُهُ ، فلامعبودَ يستحقُّ العبادَة إلاّ هو ،ولا مُعينَ على عبادَتِهِ غيرُه ؛فعبادَتُه أعلى الغايات ، وإعانَتُهأجلُّ الوسائل وأفضل المواهب .
وقد اشتملتْ هذه الكلمة على نوعيالتوحيد ، وهما توحيدُ الرُّبوبيّة ،وتوحيدُ الإلهية . وتضَمّنَتِالتعبُّد باسم الربّ واسمِ اللهِ ،فهو يُعبَدُ بألوهيته ، ويُسْتعانبربوبيته ، ويهدي إلى الصِّرَاطِالمستقيم برَحْمَتِهِ ، فكانَ أولالسورة ذِكْرَ اسْمِه : الله والربُّوالرحمن ، تطابُقاً لأجْلِ الطالِبمن عبادَتِهِ وإعانَتِهِ وهدايَتِهِ، وهو المنْفَرِدُ بإعطاءِ ذلك كلِّه، لا يعين على عبادَتِهِ سِوَاه ، ولايهدي سِوَاه .
ثمّ يشهد الداعي بقوله :
ولما كانَ العَبْدُ مفْتَقِراً فيكلِّ حالٍ إلى هذه الهِدَايَةِ ، فيجميع ما يأتيه ويذرُهُ من أمورٍ ، قدأتاها على غير الهدايةِ ، فهويَحتاجُ إلى التَّوبَةِ منها ؛ وأمورهُدِيَ إلى أصْلِها دون تفصيلها ، أوهُدِيَ إليها من وَجهٍ دون وَجْهٍ ،فهو يحتاجُ إلى إتمامِ الهدايةفِيهَا ليزْداد هُدى ؛ وأمور هويحتاجُ إلى أن يحصل لهُ من الهدايةفيها بالمُسْتَقْبل ، مثل ما حَصَلله في الماضي ؛ وأمور هو خالٍ عناعتقادٍ فيها ، فهو يحتاج إلىالهداية فيها ؛ وأمورلم يفْعلْها ،فهو يحتاج إلى فِعْلِهَا على وجْهِالهِداية ؛ وأمور قد هُدِيَ إلىالإعتقاد الحقّ والعَمَلِ الصوابفيها ، فهو محتاج إلى الثبات عليها ؛إلى غير ذلك من أنواع الهدايات ، فرضَالله سبحانه عليه أن يسألَهُ هذهالهداية في أفْضَلِ أحوالِهِمرَّاتٍ متعدِّدة في اليوم والليلة .
وهذا أجلُّ مطلوبٍ وأعظمُ مسؤولٍ،ولو عَرَفَ الداعي قَدْرَ هذاالسؤال لجعله هجِّيراه
ثم بيَّن أن سبيل أهل هذه الهدايةمغايرٌ لسبيل أهل الغضب وأهل الضلال، فانقسم الخلق إذن ثلاثة أقسامبالنسبة إلى هذه الهداية :
مُنْعَمٌ عليه بحصولها واستمرارحظّه من النعم بحسب حظّه من تفاصيلهاوأقسامها .
وضالٌّ لم يعط هذه الهداية ولم يوفقلها .
ومغضوبٌ عليه ، عرفها ولم يوفَّقْللعمل بموجبها .
فالعالم بالحقِّ العامل به : هوالمنْعَمُ عليه . وهو الذي زكَّىنفسَهُ بالعلمِ النافع ، والعملِالصَّالحِ ، وهو المفلح :
والعالمُ به المتبع هواه : هو المغضوبعليه ، لضلاله عن العمل .
والجاهل بالحقّ : هو الضال ، لضلالهعن العلم الموجب للعمل .
وكان السَّلَفُ يقولون :
فعلى المسلم أن يبعدَ من هذينالشِّبْهين غايةَ البعد ، ومنْتصوَّرَ الشِّبْهينِ والوصفينِ وعلمأحوال الخلقِ علمَ ضرورتَهُ وفاقتهإلى هذا الدعاء ، الذي ليس للعبددعاءٌ أنفعَ منه ولا أوجبَ منه عليه ،وأنّ حاجَتَهُ إليه أعظمُ من حاجتهإلى الحياة والنّفَس ، لأنّ غايةَ مايقدر بفوتهما موتُهُ ، وهذَا يحصل لهبفَوْته شقاوةُ الأبدِ . فنسألُاللهَ أنْ يهدِيَنا الصراطَالمستقيم ( صِرَاطَ الَّذِينَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَالضَّالِّينَ ).
فلما فَرَغ من هذا الثَّناء والدُعاءوالتَّوحيد ، شَرَعَ له أن يطبعَ علىذلك بطابِع من التَّأمِين ، يكونكالخاتَمِ له، وافَقَ فيه ملائِكَةَالسَّماء، تفاؤلاً بإجابته وحصوله،وهذا التأمين من زِينَةِ الصَّلاةِ .
ثمَّ يأخذُ بعدَ ذلكَ في تلاوةِربيعِ القلوبِ ، وشفاءِ الصدورِ ،ونورِ البصائرِ ، وحياةِ الأرواحِ ،ولذّةِ النفوسِ ، ورياضِ القلوبِ ،وحادي الأرواحِ إلى بلادِ الأفراحِ ،والمنادي بالمساء والصباحِ : يا أهلَالفلاحِ ، حيّ على الفلاحِ ، وهوكلامُ ربِّ العالمين ، فيحلّ به في ماشاء من روضاتٍ مونقاتٍ ، وحدائقَمعجباتٍ ، زاهية أزهارها ، مونقةثمارها ، قد ذللتْ قطوفها تذليلاً ،وسُهلت لمتناولها تسهيلاً ، فهويجتني من تلك الثمار خيراً يُؤمر به ،وشراً يُنهى عنه ، وحكمةً وموعظةً ،وتبصرةً وتذكرةً وعبرةً،وتقريراًلحق،ودحضاً لباطل ، وإزالةً لشبهةٍ ،وجواباً عن مسألةٍ ، وإيضاحاً لمشكلٍ، وترغيباً في أسباب فلاحٍ وسعادةٍ ،وتحذيراً من أسباب خسران وشقاوة ،ودعوةً إلى هدى ، فتنزل على القلوبنزولَ الغيثِ على الأرضِ التي لاحياة لها بدونه ، ويحل منها محلالأرواح من أبدانها .
فأيّ نعيمٍ وقرة عينٍ ولذة قلبٍوابتهاج وسرور ، لا يحصل له في هذهالمناجاة ، والربّ تعالى مستمعلكلامه .
ثمّ يعود إلى تكبيرربّه عز وجل فيجدد عهد التذكرة ، كونهأكبر من كلّ شيء بحق عبوديته ، وماينبغي أن يعامل به . ثمّ شرع له رفعاليدينِ عند الركوع تعظيماً لأمرِالله وزينةً للصلاة وعبودِيَّةخاصَّةً لليدين ، كعبودية باقيالجوارح ، واتباعاً لسنة رسول الله )فهو حِلْيَةُ الصلاة ، وزينتها ،وتعظيمٌ لشعائرها . ثمّ شرع لهالتكبير الذي هو في انتقالات الصلاةمن رُكنٍ إلى ركن ، كالتلبية فيانتقالات الحاجِّ من مشعر إلى مشعر ،فهو شعار الصلاة ، كما أنَّ التلبيةشعار الحج ؛ ليعلم العبدُ أنَّ سرَّالصلاةِ هو تعظيمُ الرَّبِّ تعالىوتكبيره بعبادته وحده . الْرُّكُوُعُثم يركع حانياً له ظهره خضوعاًلعظمته ، وتذللاً لعزّته ، واستكانةًلجبروته ، مسبِّحاً له بذكر اسمهالعظيم ، فَنَزَّه عظمته عن حالالعبد وذلّه وخضوعه ، وقابل تلكالعظمة بهذا الذلّ والانحناءوالخضوع ، قد طأطأ رأسه ، وطوى ظهره ،وربّه فوقه يشاهده ، ويرى خضوعهوذلّه ، ويسمع كلامه ، فهو رُكنُتعظيمٍ وإجلالٍ كما قال :
وقال مسروق لسَعيدِ بنجُبَيْر: ما بقيَ شَيْءٌ يرغبُفيه إلاّ أنْ نُعفِّرَ وجوهنا فيالتُّرابِ لَهُ . وكانَ النبي
وشرع له أن يعودساجداً كما كان ، ولا يُكْتَفى منهبسجدة واحدة في الركعة كما اكْتَفَىمنه بركوع واحد ، لفضل السجود وشرفهوموقعه من الله ، ولهذا جُعِلَ خاتمةالركعة ، وما قبله كالمقدمة بين يديه، فمحِلُّه من الصلاة محل طوافِالزيارة ، وما قبله من التعريف
ثم شرع له تكرار هذه الركعة مرة بعدمرة ، كما شرع تكرار الأذكاروالدعوات مرة بعد مرة ، ليستعدبالأول لتكميل ما بعده ، ويجبر بمابعده ما قبله ، وليشبع القلب من هذاالغذاء ، وليأخذ زاده ونصيبه وافراًمن الدواء ليقاومه ، فإنَّ منزلةالصلاة من القلب منزلة الغذاءوالدواء ، فإذا تناول الجائع الشديدالجوع من الغذاء لقمة و لقمتين ،كانغناؤها عنه وسدّها من جوعه يسيراًجداً ، وكذلك المرض الذي يحتاج إلىقدرٍ معينٍ من الدواءِ ، إذا أخذَ منهالمريضُ قيراطاً من ذلك لم يزل مرضهبالكلية ، وأزال بحسبه . فما حصلالغذاء أو الشفاء للقلب بمثل الصلاة، وهي لصحته ودوائه بمنزلة غذاءالبدن ودوائه .
| التَشَهُّدُ |
ثمَّ لمَّا أكْمَلَالمصلي هذه العبودية ، وانتهتْحركاته ، خُتِمَتْ بالجلوسِ بين يديالرَّبِّ تعالى جلوسَ تذلُلٍوانكسارٍ وخضوعٍ لعظمته ، كمايجْلِسُ العبدُ الذليلُ بينَ يديسيِّدهِ ، وكانَ جلوسُ الصلاةِ أخشعَما يكونُ من الجلوسِ وأعظَمَهُخضوعاً وتذللاً ، فأذنَ للعبدِ فيهذه الحالِ بالثناءِ على الله تباركوتعالى بأبلغ أنواع الثناءِ وهو :التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ ،وعادتهمْ إذا دخلوا على ملوكهمْ أنْيحيّوهم بما يليقُ بهمْ ، وتلكَالتحية تعظيمٌ لهمْ وثناءٌ عليهم ،فبعضهمْ يقولُ : أنعمْ صباحاً ،وبعضُهم يقول : لك البقاءُ والنعمةُ ،وبعضهم يقول : أطالَ اللهُ بقاءكَ ،وبعضهم يقولُ : تعيشُ ألفَ عامٍ ،وبعضُهم يسجدُ للملوكِ ، وبعضُهميسلِّم ، فتحياتُهم بينهم تتضمنُ مايحبّه المحيَّى من الأقوالِوالأفعالِ ، والمشركون يحيَّونأصنامهم .
قال الحسن : كان أهلُ الجاهليةيتمسحون بأصنامهم ، ويقولون : لكِالحياةُ الدائمةُ ، فلمّا جاءَالإسلامُ ، أمروا أن يجعلوا تلكالتحيات وأزكاها وأفضلها لله
فالتحية هي : تحية مِن العبدِ للحيِّالذي لا يموت ، والله أحقُّ بالتعظيموالثناء من كلِّ أحدٍ من خلقه ، وهوسبحانه أولى بتلك التحياتِ من كلِّما سواه ، فإنّها تتضمنُ الحياةَوالبقاءَ والدوامَ ، ولا يستحقُ أحدٌهذه التحيات إلا الحيّ الباقي ، الذيلا يموتُ ولا يزولُ ملكُه .
وكذلك قوله :(والصّلوات)
وكذلك قوله :(والطّيبات)
فإذا كان هو سبحانه الطيّب علىالإطلاق ، فالكلماتُ الطيباتُ ،والأفعالُ الطيّباتُ ، والصّفاتُالطيّبات ، والأسماءُ الطيباتُ ،كلُّها له سبحانه ، لا يستحقُّهاأحدٌ سواه ، بل ما طابَ شيء قطّ إلابطيبته سبحانه ، فطيبُ كلّ ما سواه منآثار طيبته .
وأيضاً فمعاني الكلماتِ الطَّيباتلله وحدَه ؛ فإنّ الكلماتِالطَّيباتِ تتضمَّنُ تسبيحَهُوتحميدَهُ وتكبيرَهُ وتمجيدَهُوالثناءَ عليه بآلائه وأوصافِهِ ،فهذهِ الكلماتُ الطيباتُ التييُثْنَى عليه بها ومعانيها لهُوحدَهُ لا يَشْرَكُهُ فيها غيره ، كـ
فتأمّل هذه الكلمات التي هي أطيبالكلمات بعد القرآن كيف لا تنبغي إلالله ، فإنّ " سبحان الله "
و " الحمد لله "
ولمّا كانت الصلاةُمشتملةً على عملٍ صالحٍ ، وكلمٍ طيبٍ، والكلمُ الطيّبُ إليه يصعد ،والعملُ الصالحُ يرفعه ، ناسب ذكرُهذا عند انتهاءِ الصلاةِ وقت رفعهاإلى الله تعالى .
فلمّا أتى بهذا الثناء على الرَّبِّتعالى ، التفتَ إلى شانِ الرسولِالذي حصلَ هذا الخير على يديه ، فسلّمعليه أتمّ سلام معرّفٍ باللام التيللاستغراقِ مقروناً بالرحمةِوالبركة . ثمَّ انتقلَ إلى السّلامعلى نفسهِ وعلى سائرِ عبادِ اللهِالصالحين ، وبَدأ بنفسهِ لأنّه أهمُّوالإنسانُ يبدأ بنفسه ثمّ بمنْ يعول، ثم ختم هذا المقام بعقد الإسلام وهوالتشهد بشهادة الحقِّ التي هي أولُالأمر وآخره ، وعندها كلّ الثناءوالتشهد .
| الصَّلاةُعَلَى النَّبِيِّ وَآَلِه |
والتحيَّاتِ في آخِرالصّلاة جعِلَتْ، بمنزِلَةِخُطْبَةِ الحاجَةِ أمامها ، فإنَّالمصلِّي إذا فرغَ من صلاتِهِ ،جَلَس جِلْسةَ الرَّاغِب الرَّاهِب، يسْتَعْطي من رَبِّه ما لا غِنَى بهعَنْه ، فشُرِعَ له أمامَاسْتِعطائِهِ كلمات التحيّات ،مقدّمة بين يدي سؤالِهِ ، ثميُتْبِعُها بالصلاة على من نالَتأمَّتُهُ هذه النعمة على يَدهِوسعادَتِه ـ وهي من أجلّ أدعية العبدوأنفعها له في دنياه وآخرته ـ فكأنَّالمُصَلّي توسَّلَ إلى اللهِسُبْحانَهُ بعبوديّتهِ ، ثمبالثناءِ عليه ، والشهادَة لهبالوحدانِية ، ولرَسوله بالرِّسالة، ثم الصلاة على رسوله ، ثم قيل لَه :تخيَّر من الدُّعاء أحبّه إليك ،فذاك الحقّ الذي عَلَيْكَ ، وهذاالحق الذي لَكَ .
وشُرِعَتِ الصَّلاة على آله معالصَّلاةِ عليه ، تكميلاً لِقُرَّةِعَيْنِه بإكرام آله والصَّلاةِعَلَيْهِم ، وأن يُصَلَّى عليه وعلىآله ، كما صُلِّي على أبِيهِ إبراهيموآلِهِ ، والأنبياءُ كلُّهم بعدإبراهيم من آلِهِ ، ولذلك كانالمطلوبُ لِرَسول الله صلى الله عليه وسلم
فإذا أتى بها المصلِّي ، أُمِرَ أنيَسْتَعِيذَ باللهِ من مجامِعالشَّرِّ كلِّه ، فإنَّ الشَّرَّإمَّا عذابُ الآخِرَةِ ، وإماسَببُهُ،فليس الشَّرُّ إلا العذابوأسبابه .والعذابُ نَوْعان : عذابٌ فيالبَرْزَخِ ، وعذابٌ في الآخِرَة .وأسبابُهُ الفِتْنَةُ ، وهو نَوْعان: كُبرى ، وصُغْرى .فالكبرى : فتنةالدجال وفتنة الممات ؛ والصُّغرى :فتنة الحياة التي يُمْكِنُ تداركُهابالتَّوبَة ، بخلافِ فِتْنَةِالمَمَاتِ وفِتْنَةِ الدَّجَالِ ،فإنَّ المفْتُونَ فيهِما لايتداركُها .
ثُمَّ شَرعَ له منالدُّعاءِ ما يختارُهُ من مصالحِدُنياه وآخِرَتِه ، والدُّعاءُ فيهذا المحلِّ قَبْلَ السَّلامِأفْضَلُ من الدُّعاء بعد السَّلامِوأنْفَعُ للدَّاعي ، وذَلِكَ أنَّالمُصَلِّي قِبْلَ سَلامِهِ فيمحلِّ المُناجاة والقُرْبَة بينيَدَيّ رَبِّهِ ، فسؤالُهُ في هذاالحالِ أقربُ إلى الإجابَةِ منسؤالِهِ بعد انصرافِهِ من بَيْنَيَدَيْهِ .
| كَوْنُالسَّلاَم فِي خَاتِمَةِ الصَّلاَةِ |
وأمّاالسلام من الصلاة : فإنّما هو علمٌعلى التحليلِ منها والانْفصالِعنْها ، وقدْ أخبرَ رسول الله عن ذلكفقال:(تحريمها التكبيروتحليلها التسليم).
والسلام اسم من أسْماء الله تباركوتعالى 17 ، وهذا دليلٌ على شرفِالصلاة وجليلِ شأنها ورفيع مكانها ؛لأنَّ المصلي افتتحها باسمه تباركوتعالى ، وختمها باسمه ، فيكونذاكراً لاسم ربّه أول الصلاة وآخرها، فأولها باسمه وآخرها باسمه ، فدخلَفيها باسمه ، وخرج منها باسمه ، مع مافي اسم السلام من الخاصية والحكمةالمناسبة لانصراف المُصَلّي من بينيدي الله تعالى ، فإن المصلِّي ما دامفي صلاته بين يدي ربه فهو في حماهالذي لا يستطيعُ أحدٌ أن يخفِرَهُ ،بل هو في حِمىً من جميع الآفاتوالشرور ، فإذا انصرف من بين يديهتبارك وتعالى ابتدرتْهُ الآفاتوالبلايا والمحن ، وتعرضَت له من كلجانب ، وجاءه الشيطان بمصائده وجنده، فهو متعرِّضٌ لأنواع البلاياوالمحن ، فإذا انصرف من بين يدي اللهمصحوباً بالسَّلام ،لم يزل عليهحافظٌ من الله إلى وقت الصلاة الأخرى. وكان من تمام النعمة عليه أن يكونانصرافُهُ من بين يدي ربِّه بسلاميستصحُبُه ، ويدومُ له ، ويبقى معه .
فَتَدَّبر هذا السِّرَّ الذي لو لميكن في هذا التعليق غيره لكان كافياً.
فكيف وفيه من الأسرار والفوائد ما لايوجدُ عندَ أبناء الزمان .
| الإقْبالُ علىالله في الصَّلاة |
الصَّلاةُ قرَّةُعيونِ المحبين ، ولذَّةُ أرواحالموَحِّدين ،وبستان العابدين ،وثمرة الخاشعين ، وَمِحَكُّ أحوالِالصادقين ، وميزانُ أحوالِالسّالكين . وهي من أعظمِ نعم اللهعليهم ، وأفضل هداياه التي ساقهاإليهم ، فهيَ بستَانُ قلوبهم ،ولذَّةُ نفوسهم ، ورياضُ جوارحهم .فيها يتقلبون في النعيم ، وتوجب لهمالقرب والمنزلة من الله .
وسرُّ الصلاة وروحها ولبُّها هوإقبالُ العبد فيها على الله وحضورهبكُلِّيَّتِهِ بين يديه
فالكعبةُ التي هي بيتُ الله قِبْلَةُوجهه وبدنه ، وربُّ البيت تباركوتعالى هو قِبْلَةُ قلبه وروحه ،وعلى حسب إقبالِ العبد على الله فيصلاته يكون إقبال الله عليه ، وإذاأعْرَضَ أعْرَضَ الله عنه ؛ وكماتَدينُ تُدانُ .
وللإقبال في الصلاة ثلاثُ منازل :
إقبالعلى قلبه فيحفظه من الشهوات والوساوسوالخطرات المبطِلَةِ لثواب صلاته ،أو المنقصة له .
وإقبال على الله بمراقبته حتى كأنّهيراه .
وإقبال على معاني كلامه وتفاصيلعبودية الصلاة ليعطيها حقّها منالخشوع والطمأنينة وغير ذلك .
فباستكمال هذه المراتب الثلاث تكونإقامة الصلاة حقاً ، ويكون إقبالالله على عبده بحسب ذلك .
ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أوبقلبه مثل رجل قد استدعاه السلطان ،فأوقفه بين يديه ، وأقبل يناديهويخاطبه ، وهو في خلال ذلك يلتفت عنالسلطان يميناً وشمالاً ، وقد انصرفقلبه عن السلطان ، فلا يفهم ما يخاطبهبه ؛ لأن قلبه ليس حاضراً معه ، فماظنّ هذا الرجل أن يفعل به السلطان ،أفليس أقلُّ المراتب في حقّه أنينصرف من بين يديه ممقوتاً مبعداً قدسقط من عينيه ؟ ! فما الظنّ بالملكالحق المبين الذي هو ربّ العالمينوقيوم السموات والأرض .
فهذا المصلي لا يستوي والحاضرَ القلب، المقبلَ على الله تعالى في صلاته ،الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقفبين يديه ، فامتلأ قلبه من هيبته ،وذلت عنقه له ، واستحيى من ربه تعالىأن يقبل على غيره ، أويلتفت عنه ،وبين صلاتيهما في الفضل ؛ كما بينالسماء والأرض .
وذلك : أن أحدهما مقبل بقلبه على الله، قرير العين به ، والآخر ساهٍ غافل ،فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله ،وبينه وبينه حجاب ؛ لم يكن إقبالاًولا تقريباً ، فما الظن بالخالق ؟!
وإذا أقبل على الخالق ، وبينه وبينهحجاب الشهوات والوساوس ، والنفسمشغوفة بها ، ملأى منها ، فكيف يكونذلك إقبالاً وقد ألهته الوساوسوالأفكار ، وذهبت به كل مذهب ؟!
والعبدُ إذا قام في الصلاة ؛ غارَالشيطان منه ، فإنه قام في أعز مقام ،وأقربه ، وأغيظه للشيطان ، وأشدهعليه ، فهو يحرص ويجتهد كل الاجتهادأن يخطر بينه وبين نفسه ، ويحول بينهوبين قلبه ، فيذكِّره في الصلاة ما لميكن يذكر قبل دخوله فيها ، حتى ربماكان قد نسي الشيء والحاجة ، وأيس منها، فيذكره إياها في الصلاة
فهذا إذا انصرف منها ؛ وجد خفة مننفسه ، وأحس بأثقال قد وضعت عنه ،فوجد نشاطاً وراحة وروحاً ، حتىيتمنى أنه لم يكن خرج منها ؛ لأنهاقرَّةُ عينه ، ونعيم روحه ، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا ، فلا يزال كأنهفي سجن ضيق حتى يدخل فيها ، فيستريحبها ، لا منها ، فالمحبُّون يقولون :نصلي فنستريح بصلاتنا ؛ كما قالإمامهم وقدوتهم ونبيهم :
وقال النبي: (حُبِّبَ إليّ :النِّسَاءُ ، والطِّيبُ ، وجعلتْقرَّةُ عيني في الصَّلاة) 21 .
فقرَّةُ العينِ فوقالمحبَّة ، فجعلَ النساءَ والطّيبَمّما يحبّه ، وأخبر أنَّ قرّة العينِالتي يطمئن القلب بالوصول إليها ومحضلذته وفرحه وسروره وبهجته : إنّما هوفي الصّلاة التي هي صلةٌ بالله ،وحضورٌ بين يديه ، ومناجاةٌ له ،واقترابٌ منه . فكيف لا تكون قرةالعين ، وكيف تقر عين المحب بسواها ؟!وكيف يطيق الصبر عنها ؟! فَالمُحِبُّرَاحَتُهُ وَقُرَّةُ عَينِهِ فِيالصَّلاةِ ، وَالغَافِلُ المُعرِضُلَيسَ لَهُ نَصِيبٌ مِن ذَلِكَ ، بَلالصَّلاةُ كَبِيِرَةٌ شَاقَّةٌعَلَيهِ ، إذَا قَامَ فِيهَاكَأَنَّهُ عَلَى الجَمرِ حِتَّىيَتَخَلَّصَ مِنهَا ، وَأَحَبُّالصَّلاةِ إلَيهِ أَعجَلُهَاوَأَسرَعُهَا ، فَإنَّهُ لَيسَ لَهُقُرَّةُ عَينٍ فِيهَا ، وَلالِقَلبِهِ رَاحَةٌ بِهَا ،وَالعَبدُ إذَا قَرَّتْ عَينُهُبِشَيءٍ وَاستَرَاحَ قَلبُهُ بِهِفَأَشَقُّ مَاعَلَيهِمُفاَرَقَتُهُ ، وَالمُتَكَلِّفُالفَارغُ القَلبِ مِن اللهِوَالدَّارِ الآخِرَةِ المُبتَلَىبِمَحَبَّةِ الدُّنيَا أَشَقُّ مَاعَلَيهِ الصَّلاةُ ، وَأَكرَهُ مَاإلَيهِ طُولُهَا ، مَعَ تَفَرُّغِهِوَصِحَّتِهِ وَعَدَمِ اشتِغَالِهِ !وإنما يقوى العبد على حضوره فيالصلاة واشتغاله فيها بربه إذا قهرشهوته وهواه ، وإلا فقلب قد قهرتهالشهوة ، وأسره الهوى ، ووجد الشيطانفيه مقعداً تمكن فيه ؛ كيف يَخْلُصُمن الوساوس والأفكار ؟! والقلوبثلاثة : القلب الأول
وهذا لا يتمكنُالشيطانُ منهُ إلا بما عندهُ منسلاحه ، فيدخل إليه الشيطان ، فيجدسلاحه عنده ، فيأخذه ويقاتله به ،فإنّ أسلحته هي الشهوات ، والشبهات ،والخيالات ، والأماني الكاذبة ، وهيفي القلب ، فيدخل الشيطان ، فيجدهاعتيدة ، فيأخذها ، ويصول بها علىالقلب ، فإنْ كان عند العبد عدة عتيدةمن الإيمان تقاوم تلك العدة ، وتزيدعليها ؛ انتصف من الشيطان ، وإلافالدولة لعدوه عليه ، ولا حول ولا قوةإلا بالله . فإذا أذن العبد لعدوه ،وفتح له باب بيته ، وأدخله عليه ،ومكنه من السلاح يقاتله ؛ فهو الملوم.
| فنَفْسَكَ لُمْ ولا تَلُـمِ المَطايا | ومُـتْ كَـمَداً فَلَيْسَ لـكَ اعْتِذارُ |
| من كنوز السنة |
1 ـ عن عَمْرُو بنعَبَسَةَ قَالَ : قالَ رسول الله
2 ـ ِ عَنْ عُثمَانَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ
3 ـ عن عُثْمَانَ قالَ :قالَ رسول الله صلى الله عليه
| أحـسـن التطهير واخشع قـانتاً | مــطمئناً في جميع الركعات |
| فهو كفّارة ما قـدّمـتـه27 | من صغير الذنـب والسيئـات |
4 ـ عن عَبْدِ الله بنِالصُّنَابِحيِّ قال: سَمِعْتُ رسولَالله صلىالله عليه وسلم يقول : « خَمْسُصَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ الله ،مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءهُنَّوَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّوَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّوَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَىالله عَهْدُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ،وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُعَلَى الله عَهْدٌ، إِنْ شَاءَغَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَعَذَّبَهُ»28.
5 ـ عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
6 ـ عن أبي هريرة قال :صلَّى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
7 ـ عَنِالْبَيَاضِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
8 ـ عَنْ عَبْدِ اللّهِبْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، أَنَّرَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم
فمن استشعرَ هذا فيصلاتِه أوجبَ له ذلك حضورَ قلبِهبينَ يدي ربِّه وخشوعَه له وتأدُّبَهفي وقوفِه بينَ يديهِ ، فلا يلتفتُإلى غيرهِ بقلبِهِ ولا ببدنِهِ ولايعبثُ وهو واقفٌ بينَ يديه ولا يبصقُأمامَه فيصير في عبادتِه في مقامِالإحسانِ يعبدُ اللهَ كأنَّه يراهكما فسَّر النبيُّ الإحسان بذلك . وقدأخبرَ اللهُ تعالى بقربِهِ مَمَّندعاه وإجابته له تعالى فقالَ :
وهذا كلُّه يدلُّ علىأنَّ قربَ اللهِ من خلقِه شاملٌ لهم ،وقربَه من أهلِ طاعتِه فيه مزيدُخصوصيةٍ كما أنَّ معيتَه مع عبادِهعامة حتَّى ممَّنْ عصاه ، قال تعالى :
9 ـ عَنْ أَبِي أَيُّوبرضي اللهعنه
يعني : يستشعر أنّهيصلي صلاةً لا يصلّي بعدها صلاة أخرىفيحمله ذلك على إتقانها وتكميلهاوإحسانها 36 إنها صلاة الوداع ،ووداع الصلاة ، وهو بذلك يودّع الأهلوالوالدين والإخوة والأحبابوالأقارب ، بل الدنيا كلّها . مودّعلنفسه ، مودّع لهواه ، مودّع لعمرهسائر إلى مولاه .
10 ـ عن أنس رضي الله عنه
انظروا ـ يرحمني اللهوإيّاكم ـ إلى صلاتنا ، أهي حسنة أملا ؟ ليس من العجبِ ألاَّ ترى الحُسنَوالإتقانَ فيها ؛ ذلك لأنَّ ذِكْرَالموت فيها ميِّت أو شبه ميِّت !لاينبغي لنا أبداً أن ننسى قوله
12 ـ عن الحارثالأشعريّ رضيالله عنهقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ابن القيم رحمهالله : (الالتفات المنهي عنهفي الصلاة قسمان : أحدهما : التفاتالقلب عن الله -عز وجل- إلى غير اللهتعالى . والثاني : التفات البصر .وكلاهما منهي عنه . ولا يزال اللهمقبلاً على عبده ما دام العبد مقبلاًعلى صلاته ، فإذا التفت بقلبه أو بصره؛ أعرض الله تعالى عنه) .
13 ـ عن عائشة رضي اللهعنها قالت : سألت رسول الله
قال ابن القيم رحمهالله : (فإذا كان هذا التفاتطرفه أو لحظه . فكيف التفات قلبه إلىما سوى الله ؟ هذا أعظم نصيب الشيطانمن العبودية) .
الحمد لله الذي هدانالهذا وما كنا لنهتدي لولا أنْ هداناالله ، والصلاة والسلام على خاتمالأنبياء والمرسلين . رحمَ اللهُ منأقبلَ على صلاتِهِ خاشعاً خاضعاً ،ذليلاً لله عز وجل خائفاً داعياًراغباً ، وَجِلاً مُشْفِقاً راجياً .وجعلَ أكبَر همِّه في صلاته لربِّهتعالى ، ومناجاته إيّاه ، وانتصابهقائماً وقاعداً ، وراكعاً وساجداً ،وفرَّغ لذلك قلبَهُ وثمرةَ فؤادِه .واجتَهَد في أداءِ فرائضهِ . فإنّه لايدري : هلْ يصلّي صلاةً بعد التي هوفيها ، أو يعاجل قبلَ ذلك ؟ فقامَ بينيدي ربَّه عز وجل محزوناً مشفقاً ،يرجو قبولها ، ويخاف ردَّها .فإنقبلها سَعِدَ وإنْ ردَّها شقِيَ . فماأعظم خطرك يا أخي في هذه الصلاَّة ،وفي غيرها من عملك ، وما أولاك بالهمّوالحزن ، والخوفِ والوَجَلِ فيها ،وفيما سواها مّما افترض اللهُ عليكَ .إنّكَ لا تدْري : هَلْ يقبل منك صلاةقطّ ، أم لا ؟ ولا تدري : هل يقبل منكحسنة قط ، أم لا ؟ وهل غفر لك سيئة قط ،أم لا ؟ ثم أنت ـ مع هذا ـ تضحك وتغفُل، وقد جاءك اليقين : أنك وارد النار،ولم يأتك اليقين أنك صادرٌ عنها.فمنأحقُّ بطولِ البكاءِ وطولِ الحزنِمنكَ ، حتى يتقبلُ اللهُ منك ؟ ثمَّ ـمع هذا ـ لا تدري لعلَّكَ لاَ تصبحُإذا أمسيتَ ، ولا تمسي إذا أصبحت ،فمبشَّرٌ بالجنَّة ، أو مبشَّرٌبالنَّار .
يسَّرنا اللهوإيَّاكمْ لليسْرى ، وجعلنا ممَّنْذكِّر فانْتَفعَ بالذِّكْرى.
وآخر دعْوانا أن الحمدلله ربِّ العالمين .
| الحواشي |
1رواه أبو داود وصححهالألباني لقاه الله رضوانه وأسكنهفسيح جنانه في " صحيح الجامع " (4703) .
2طبقات الحنابلة (1/354) .
3 أخي المسلم : قدّرْأنَّ رجلاً صالحاً من وجوه أهلِبيتِكَ ينظرُ إليكَ ليعلم كيفَ صلاتك، فعندَ ذلكَ يحضر قلبك وتسكنُجوارحكَ خيفة أنْ ينسبك ذلك العاجزُالمسكينُ إلى قلّة الخشوع ، ثم ارجعْإلى نفسِكَ وقلْ لها : يا نفسي ألاتستحين من خالقك ومولاك ، إذ قدرتاطلاعَ عبدٍ ذليلٍ من عباده عليك ،وليسَ بيده ضرّك ولا نفعُك ، خشعتجوارحك وحسَّنْت صلاتك ، ثم إنَّكتعلمين أنّه مطّلعٌ عليك ، ولاتخشعين لعظمته ، أهو تعالى عندك أقلّمن عباده ؟! فما أشدّ طغيانك وجهلك !وما أعظم عدوانك لنفسك ! وقد قال رسولالله صلىالله عليه وسلم:( أوصيك أن تستحي منالله كما تستحي من الرجل الصالح منقومك).
عالجْقلبكَ بهذا فعسى أن يحضر معكَ فيصلاتك ؛ فإنّه ليسَ لكَ منْ صلاتك إلاما عقلت منها ، وأماّ ما أتيت معالغفلةِ والسّهو فهو إلى الإستغفاروالتكفير أحوج.
4 صحيح سنن أبي داود (714 ).
5
6 أي : دأبَه وشأنه.
7
8 لقوله:
9 رواه مسلم (482)
10 رواه البخاري (813 )ومسلم (1167).
11 رواه مسلم (81)
12 قال شيخ الإسلام في" المجموع"(23/15) تعليقاً على حديثأَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعاً:
13 إشارة إلى حديث ابنعباس : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم
14 إشارة إلى حديث حذيفة:أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم
* التعريف : الوقوفبعرفة في الحج .
15
* قال ابنرجب رحمه الله : والمعنى : أنّه تعالىمقدَّسٌ منزَّهٌ عن النقائص والعيوبكلّها ، وهذا كما في قوله :
16
17قال ابن القيّم :
| وهـــو الســلام على الحقيقة سالم | مــن كـــل نـقـص وتمثيـــل |
واستواؤه وعلوّه علىعرشه سلام من أن يكون محتاجاً إلى مايحمله أو يستوي عليه، بل العرش محتاجإليه، وحملته محتاجون إليه. فهوالغنيّ عن العرش وعن حملته وعن كلّ ماسواه.فهو استواء وعلوّ لا يشوبه حصرولا حاجة إلى عرش ولا غيره، ولا إحاطةشيء به سبحانه وتعالى ، بل كان سبحانهولا عرش، ولم يكن به حاجة إليه، وهوالغني الحميد، بل استواؤه على عرشهواستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكهوقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيرهبوجه ما. ونزوله كلّ ليلة إلى السماءالدنيا سلام مما يضاد علوّه، وسلاممما يضاد غناه وكماله، سلام من كلّ مايتوهم معطّل أو مشبّه،وسلام من أنيصير تحت شيء أو محصوراً في شيء .تعالىالله ربنا عن كلّ ما يضادّ كماله.
18 اعلم أنّ حضور القلبسببه الهمّة ، فإنّه متى أهمّكَ أمرٌحضر قلبك ضرورةً ، فلا علاجَ لإحضارهإلا صرف الهمّة إلى الصلاة ، وانصرافالهمّة يقوى ويضعف بسب قوة الإيمان ،فمتى رأيت قلبك لا يحضر في الصلاة ،فاعلم أنّ سببه ضعف الإيمان فاجتهدالآن في تقويته . والأسباب المقويةللإيمان كثيرة . انظرها في كتاب "التوضيح والبيان لشجرة الإيمان "للعلامة السعدي رحمه الله .
19 كما في قوله:
20
21
22قال شيخ الإسلام رحمهالله في " المجموع " ( 22/ 608 ) :
23كلمة فارسية معناها :طليعة الجيش .
24رواه مسلم ( 2 / 209 ) .
25 رواه البخاري ( 159 )ومسلم ( 226 ) .
26 رواه مسلم ( 228 ) .
27 الإمتاع (79 ـ 80) .
28 صحيح سنن أبي داود ( 1410) .
29 أخرجه مسلم ( 2 / 30 ) .
30 أخرجه ابن خزيمة (474)بسند حسن .
31 فتح الباري (3/149) لابنرجب الحنبلي .
32 رواه مسلم (1175) .
فائدة : الحديث حقّ علىظاهره، وهو سبحانه فوق العرش وهوقِبَلَ وجه المصلّي، بل هذا الوصفيثبت للمخلوقات.فإنّ الإنسان لو أنّهيناجي السّماء أو يناجي الشمس والقمرلكانت السّماء والشمس والقمر فوقه،وكانت أيضاً قبل وجهه ؛ مع أن الشمسقد تشرق وقد تغرب ، فتنحرف عن سمتالرأس ، فكيف بمن هو فوق كلّ شيءدائماً لا يأفل ولا يغيب ( !!. وقد ضربالنبي ( المثل بذلك -ولله المثلالأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيانجواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالقبالمخلوق- فقال النبي :
33 رواه مسلم (482) .
34 أخرجه البخاري (3653)ومسلم (2381) .
35 صحيح سنن ابن ماجه (3363).
36شرح حديث : " شدّادبن أوس " (ص 36 ـ 37) لابن رجب الحنبلي .
37 صحيح سنن الترمذي (2298).
38 أخرجه البخاري (2/234و6/338)، وغيره .
فائدة : الاختلاس:الاختطاف بسرعة على غفلة . قالالعلامة الطيبي طيب الله ثراه : سمياختلاساً تصويراً لقبيح تلك الفعلةبالمختلس ؛ لأن المصلي يقبل عليهالرب سبحانه وتعالى والشيطان مترصدله ينتظر فوات ذلك عليه ، فإذا التفتاغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلكالحالة . والله أعلم .
| الصفحة الرئيسية | السراج المنير | المكتبة الإسلامية | صوتيات السراج | روابط السراج | دعوتنا | تزكيات | ساهم معنا | اتصل بنا |
| جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم - جمعية السراج المنير الإسلامية - بيروت - لبنان ( asseraj@asseraj.net ) |